PUB

النهضة ستغادر الحكومة لكنها لن تغادر السلطة


إثر تعهد رئيس الحكومة والقيادي في حركة النهضة علي العريض في أكتوبر/تشرين الاول الماضي بالاستقالة وفق ما تنص عليه خارطة الطريق طمأن رئيس الحركة راشد الغنوشي القيادات الغاضبة بأن "النهضة ستغادر الحكومة ولكنها لن تغادر السلطة" في رسالة مفادها أن الحركة الإسلامية الحاكمة تهيمن على مفاصل الدولة وعلى المجلس التأسيسي ولا تعدو مغادرتها الحكومة سوى "انحناء" ظرفي لعاصفة الضغوطات السياسية والشعبية.

وحين تم ترشيح مهدي جمعة لرئاسة الحكومة لم يجد الغنوشي رسالة يوجهها لقيادات النهضة أفضل من تكراره بأن "مغادرة رئاسة الحكومة شيء ومغادرة الحكم شيء آخر" في محاولة لامتصاص حالة من الغضب تشق النهضويين الذين يرون أنهم أولى بالحكم من غيرهم وأنهم "يمتلكون شرعية" قيادة البلاد إلى الانتخابات القادمة على الرغم من أن تلك الشرعية الانتخابية انتهت.

لكن رسالة الشيخ بان النهضة "ستغادر الحكومة ولن تغادر السلطة" لم تكن موجهة فقط إلى قيادات الحركة التي مارست كثيرا من الضغوطات لفرض استمرارية الحركة على رئاسة الحكومة وإنما كانت موجهة أيضا إلى المعارضة العلمانية التي تشعر بأنها "هزمت" النهضة العنيدة وجردتها من قوتها وعنجهيتها لتدفع بها إلى خارج مقاليد الحكم مهزومة ذليلة.

ومنذ بدء الحوار الوطني الذي ترعاه أربع منظمات كبرى من المجتمع المدني وفي مقدمتها الإتحاد العام التونسي للشغل حاولت النهضة الظهور بمظهر الحركة القوية التي تتمسك بخيوط اللعبة السياسية حتى أنها رفضت التفاوض على مرشحها الوحيد أحمد المستيري على الرغم من المرونة التي أبدتها المعارضة العلمانية.

ضغوط خارجية ايضا

ويبدو أن الحركة الإسلامية وجدت نفسها خلال أسابيع المفاوضات تئن تحت ضغوطات داخلية وخارجية أجبرتها على التنازل عن شروطها والقبول بتنفيذ خارطة الطريق التي من أولى بنودها ترشيح شخصية سياسية مستقلة يعهد إليها تشكيل حكومة كفاءات مستقلة غير متحزبة تخرج البلاد من الأزمة التي تعصف بها منذ اغتيال الشهيد محمد البراهمي في 25 يويليو الماضي.

يقول مراقبون إن النهضة قبلت مغادرة الحكومة بعد أن تأكدت من أن المعارضة ستلجأ إلى الشارع وتنظم الاحتجاجات في سيناريو مشابه لإعتصامات شهر أغسطس/اب الماضي والتي مثلت ضغطا قويا وكادت تهدد حكم النهضة من الأساس.

كما يشير المراقبون إلى أن الحركة الإسلامية الحاكمة تعرضت خلال الأسابيع الماضية إلى ضغوطات مارستها الولايات المتحدة وبلدان الإتحاد الأوربي وكذلك الجارة الجزائر وهي بلدان معنية مباشرة بالوضع في تونس لما له من تداعيات سياسية وأمنية على المنطقة.

وعلى الرغم من التكتم الشديد حول الضغوطات الخارجية إلا أن تسريبات أكدت أن تلك البلدان طلبت من النهضة تنازلات وإبداء مرونة في تعاطيها مع الوضع الدقيق الذي تمر به البلاد من أجل إنجاح الحوار الوطني.

وأجبر الضغط المضاعف الداخلي والخارجي حركة النهضة على التعهد بمغادرة الحكومة في خطوة أكدت فشل كل محاولاتها لقيادة البلاد حتى إجراء الانتخابات القادمة التي يفترض أن تجري في العام 2014.

وبرأي المحلل السياسي صلاح الدين الجورشي فإن "النهضة اضطرت إلى مغادرة الحكومة ولم يكن ذلك باختيار منها" وإنما جاء نتيجة "الدور الهام الذي لعبته المعارضة والمجتمع المدني ووسائل الإعلام والقوى الخارجية إلى جانب ما حدث في مصر".

ولا تخفي قيادات النهضة أن مغادرتها للحكومة كان كرها حتى أن عضو مكتبها السياسي عامر العريض وهو شقيق رئيس الحكومة علي العريض اعتبر مغادرة الحركة الحكومة "حدثا استثنائيا بكل المقاييس" في إشارة واضحة إلى أن النهضة متمسكة بـ"شرعية" ممارستها الحكم.

معارضة منقسمة.. وأسلمة على قدم وساق

غير أن الحركة الإسلامية الحاكمة التي تجيد المناورات السياسية مستفيدة من هشاشة المعارضة العلمانية وضعفها وتشرذمها والتي باتت تخشى أن يؤول مصيرها إلى مآل جماعة الإخوان في مصر تعهدت بمغادرة الحكومة بعد أن زرعت كوادرها خلال ثلاث سنوات في مفاصل الدولة والمجتمع وهو ما يفسر تأكيد الغنوشي أنها "لن تغادر الحكم".

مند انتخابات 23 أكتوبر/تشرين الأول 2011 رسمت النهضة خطة لأسلمة الدولة والمجتمع ونجحت ولو نسبيا في انتهاج سياسية الهيمنة على مؤسسات الدولة رغم صيحات المعارضة أن تونس تتعرض إلى فرض نمط مجتمعي غريب عنها وأن الدولة المدنية مهددة بدولة دينية.

وقد ساعدت سياسة "الأسلمة" التي طالت مختلف المؤسسات والأجهزة حركة النهضة أن تخترق مراكز القرار سياسيا واجتماعيا وأمنيا الأمر الذي جعلها اليوم أكثر اطمئنانا على الحكم حتى وإن غادرت الحكومة.

ويبدو أن "إغراق" مؤسسات الدولة بتعيينات كوادر حركة النهضة هو الذي يفسر تأكيد الغنوشي على أن الحركة لن تغادر السلطة نظرا للنفوذ الواسع والهام الذي تقوم به تلك الكوادر خاصة في المحافظات والمؤسسات العمومية في إدارتها لمختلف الملفات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية.

ولعل هذا ما يفسر ايضا ترحيب الحركة بترشيح مهدي جمعة لرئاسة الحكومة خاصة وأن الرجل محسوب عليها ويشغل منصب وزير الصناعة في حكومة العريض إلى درجة أن قيادييها الذين كانوا يرفضون مغادرة الحكومة باتوا يطالبون المعارضة بالتعاون مع جمعة لتشكيل حكومة كفاءات ومن ثم إنجاح الحوار الوطني لإخراج البلاد من أزمتها.

ويقول محللون سياسيون إن جمعة الذي كان ناشطا في حركة الاتجاه الإسلامي، النهضة حاليا، لما كان طالبا بالجامعة ما كان ليعينه العريض عضوا في الحكومة لو لم يكن واحدا من "أبناء" النهضة.

ويضيف المحللون أن جمعة الذي سيواجه صعوبات وضغوطات لتشكيل حكومته لن يقدم على مراجعة تعيينات كوادر حركة النهضة المزروعة في مختلف مراكز القرار وهو ما يجعل الحركة مطمئنة بأنها باقية في الحكم من خلال إدارة كوادرها لأهم المؤسسات وأجهزة الدولة.

إضافة إلى ذلك بدأت النهضة في ممارسة ضغوطات على جمعة بشأن تركيبة حكومته إذ أكدت تسريبات أن الحركة طلبت الإبقاء على وزير الداخلية لطفي بن جدو في منصبه وعدم تغيير الفريق الحكومي برمته الأمر الذي ترفضه المعارضة التي تطالب برحيل كل الوزراء في حكومة العريض.

لكن "بقاء" حركة النهضة في السلطة يجد امتداده أيضا في المجلس التأسيسي الذي تهيمن عليه الحركة ويمكن أن تمارس من خلاله ضغوطا قوية على حكومة جمعة، فقيادات النهضة ترى أن حركتها تمثل الأغلبية في المجلس وهي قادرة على ان تمارس "ولاية مشروعة" على الحكومة القادمة من خلال تزكيتها أولا ومراقبتها ثانيا إلى حين إجراء الانتخابات.

وعلى الرغم من أن عددا من قيادات النهضة تقول إن جمعة له الاستقلالية والحرية الكاملتين في تشكيل الحكومة وأن الحركة لن تمارس عليه أية ضغوطات إلا أن الواقع يؤكد أن كتلة الحركة بالمجلس التأسيسي ستسعى إلى دفع مرشح الحكومة إلى اختيار وزراء يحضون بموافقة قيادات النهضة قبل موافقة المعارضة وهو ما سيعقد كثيرا مهمة مهدي جمعة.

لكن مغادرة النهضة للحكومة قد يساعدها كثيرا على التفرغ لرص صفوفها واستعادة شعبيتها وتلميع صورتها لدى الرأي العام الذي فقد ثقته في حركة فشلت حكومتها في إدارة الشأن العام وفي تسيير دواليب الدولة.

هزيمة.. على أية حال

وتعلم النهضة قبل غيرها اليوم أن قطاعات واسعة من الشعب التونسي غاضبة عليها وتحملها مسؤولية تردي الأوضاع في البلاد وتفشي مظاهر الفقر وتدهور القدرة الشرائية للمواطن واستقواء الجماعات الإسلامية المسلحة التي باتت تهدد أمن المواطن.

ولا تتردد قيادات حركة النهضة في التأكيد على أن مغادرة الحكومة يمثل بالنسبة إليها فرصة للتفرغ للاستعداد للانتخابات القادمة من خلال إعادة ترتيب البيت الداخلي ورسم "خطة انتخابية" تمكن الحركة من توفير أوفر حظوظ النجاح ومن ثمة العودة إلى الحكم على أساس الشرعية.

وتقلل تلك القيادات مما تقول المعارضة إنها "هزيمة" تكبدتها النهضة مشددة على أن الحركة ستعود إلى الحكم من الباب الكبير خلال الانتخابات القادمة.

غير أن مراقبين يقولون إن "مغادرة النهضة" للحكومة هي في نهاية الأمر "هزيمة" للحركة التي مارست الكثير من العناد لكنها فشلت في الصمود أما المعارضة العلمانية التي صبرت كثيرا من أجل إنهاء حكم النهضة.

ويضيف المراقبون أن تأكيد راشد الغنوشي على أن النهضة لم تغادر السلطة هو "تغطية" عن فشل ذريع منيت به ولم تتقبله قيادتها ورأت فيه بداية نهاية حكمها في تونس.
Print Friendly and PDF

Alyoum News

    التعليق بإستخدام حساب جوجل
    تعليقات الفيسبوك