PUB

عودة التجمعيين في ثوب جديد والصراع على الارث الدستوري: نوافذ العودة عديدة



رُفع «علم» التجمع الدستوري الديمقراطي المنحل بلونه الأحمر وما شابهه كم مرة في تونس خلال الشهر الفارط فقط. قبل ثلاث سنوات من الآن أنزل «الثوار» لافتة مقر الحزب الحاكم المنحل

وقبل ثلاث سنوات ايضا تم الاعلان عن حلّ «التجمع». لكن اليوم تلوح في الأفق معطيات جديدة، ليس اقلّها أن قرار عودة «التجمع» اتخذ، بل إن ملامحه أطلت كم مرة من قبل لـ«تبيّض» وجه النظام السابق ورجالاته الذين وكما يبدو اتخذوا قرار الذهاب بعيدا في الانتخابات القادمة، مستغلين مساحات فراغ وفّرها لهم «خصومهم»، عن اليمين وعن اليسار، الذين يبدو أنهم اتخذوا قرارهم،هم أيضا بـ«غضّ البصر» عن العودة وكسب «ودّ الحرس القديم».

ربّما لم ينتبه البعض الى مشهد حامد القروي، رئيس الوزراء السابق في حكومة بن علي، والرّجل الثاني (نائب الرئيس) في التجمع حتى 2008، وهو يدافع عن النظام القديم ويعتبر ان «كلّ رموزه مشهود لهم بالكفاءة ونظافة اليد»، وربما مرّ دفاع القروي عن رئيسه السابق في الحزب وفي الدولة (بن علي)، الى إشادته بما «أنجزه للبلاد»، في كلّ مداخلة او حوار يدلي به، دون أن تثير أية رد فعل كما أثارته أفعال اقل.

هذا المشهد، دفاع القروي عن المنظومة القديمة، اختصر تحليلات كثيرة لما بلغته البلاد بعد ثلاث سنوات و45 يوما منذ انهيار نظام بن علي، واختفاء رموز نظامه قبل أن يعودوا من نافذة « فشل الطبقة السياسية التونسية» وعجز «الترويكا عن إدارة دفة الحكم».

يبدو أن «الأسوأ» في «مسار الثورة»، كما يحرص البعض إطلاقه على «المسار الانتقالي» لم يأت بعد، ولا يحتاج الإنسان للكثير من الجهد ليرصد ملامح «النظام القديم» تعود بـ«قوة»، حيث اتخذت رموزه الخطوات العملية في حملة «تبييض النظام»، والدفاع عن رموزه والثناء على «منجزاته» دون أن يغفلوا عن إعلان «الحرب على الجميع» مع الإبقاء على الباب مفتوحاً أمام «صفقة سياسية» قد يجدون أنفسهم في أمس الحاجة لها بعد ان تسلّلوا من «نوافذ» غفل عنها «الثوار».

نوافذ العودة تعدّدت
سكب حامد القروي منذ أول إطللالة له في المشهد العام، الماء البارد على الجميع، ليطالب «التجمعيين (نسبة إلى المنتسبين لحزب التجمع الديمقراطي المنحل) برفع رؤوسهم» وأكد «فضلهم على البلاد». القروي الذي «فاجأ» الجميع «بكلماته» رغم أن ما قاله كان متوقع في ظلّ سياق عام سبق إطلالته ونعني قول نائب في المجلس الوطني التأسيسي لزميلة له عن حركة النهضة بانّ «التجمع سيدكم».

ورويدا رويدا باتت رؤية مسؤولين في النظام القديم الذين «غابوا» عن المشهد السياسي لفترة أمرا «طبيعيا»، هؤلاء «الأزلام» كما يحبذ البعض تسميتهم هم «بقايا التجمع» الذين لم يجدوا «الترحيب في اي حزب سياسي» من بين الأحزاب الـ120 التي ظهرت اثر الثورة. اذ لم تدّخر بعض الأحزاب جهدا في الإعلان عن «ترحابها» بالتجمعيين «النظيفين» وذلك مباشرة اثر الإعلان رسميا عن حلّ التجمع الدستوري الديمقراطي، في 9 مارس 2011.

ميدانياً، وتحديدا قبل انتخابات 23 أكتوبر 2011 كانت جلّ الأحزاب تتنافس في ما بينها على استمالة اكبر عدد من أركان النظام القديم، لكن بشرط ان يظلّوا خلف الصف الأول، لا احد يبصرهم، فخزان 2 مليون عضو كان مغريا للجميع، وبالأخص الـ 30 ألف إطار وقيادي في الحزب المنحل الذين شملهم الحظر من الترشح لانتخابات المجلس التأسيسي، ويوما بعد يوم تغيرت المعادلة. فهذه الدعوة التي سارعت أحزاب كانت تعارض نظام بن علي بتوجيهها إلى المنتسبين السابقين للتجمع المنحل شجّعت عددا من رموز النظام السابق على إنشاء أحزاب سياسية، ينظر إليها كـ«امتداد للتجمع» وقد تجاوز عددها 30 حزبا من أبرزها حزب المبادرة وحزب الوطن، لكن هذه الأحزاب رفعت «لواء البورقيبية» وانتسبت للحركة الدستورية التي عاد إليها بريقها اثر سنة 2011 وباتت تمثل منصة لرموز سابقة من نظام بن علي للعودة للمشهد العام بثوب جديد.

هؤلاء الذين عادوا بسرعة للمشهد في 2011 استهلّوا عودتهم بالدفاع عن «الإرث القديم»، ووصل الحد ببعضهم إلى التأكيد «انه ليس بحاجة للاعتذار عن الماضي» او عن اشتغاله مع بن علي، بل ذهب البعض الى التصريح بفخره في المساهمة التي قدمها في بناء بلده لينسبوا إلى أنفسهم «الفضل في بناء تونس قبل 2011».، ومن هؤلاء حامد القروي الذي كانت عودته من بوابة قصر الرئاسة بقرطاج يوم استدعاه رئيس الجمهورية المؤقت المنصف المرزوقي ليستمع لوجهة نظره من اجل الخروج من الأزمة السياسية التي عصفت بالبلاد عقب اغتيال النائب محمد البراهمي في 25 جويلية 2013.

هذه النوافذ التي فتحت على مصراعيها لـ«حرس النظام» القديم، لم تكن عن سهو من قبل «الفاعلين» في الحكم، والمقصود هنا هي الترويكا، التي باركت أحزابها عودة رموز النظام القديم، وغازلتهم في أكثر من مرّة بل إنها دخلت في «منافسة» على استمالتهم، لينتهي الأمر بإعلان راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة عقب تصويت ممثلي حزب المبادرة لصالح حكومة علي العريض بأنّ «جزاء الإحسان إحسان»، والاحسان الذي تحدّثت عنه حركة النهضة حمل في طياته سعيها الى «عزل» حركة نداء تونس التي بدورها فتحت أبوابها «لرجال النظام القديم» بل ودافعت عن استقطابهم تحت شعار «القضاء برّأهم»، على غرار محمد الغرياني الذي يشغل اليوم منصب مستشار رئيس الحركة، والحقيقة ان جلّ القضايا التي رفعت ضدّ رموز النظام القديم قد حكم فيها لصالحهم وأفرج عنهم تدريجيا، ليلتحقوا في ما بعد بالحركة الدستورية التي أسسها حامد القروي في 2013 – والتي تضم عبد الرحيم الزواري والبشير التكاري ووزراء آخر حكومة لبن علي.

اليوم لا يمكن ان يختلف اثنان في ان المنافسة على من يمثّل «الحركة الدستورية» -وهي احد شعارات حشد الحرس القديم- محتدمة بين حركة نداء تونس بالأساس والحركة الدستورية وعدد من الأحزاب المشابهة التي تهدف الى جمع شتات «أبناء التجمع» الذين تفرقوا شيعا بين الأحزاب أو اختفوا، تحت يافطة «نحن بناة الدولة» مستعينين بأخطاء أحزاب الترويكا بالأساس أو المعارضة، والتي أنهت المطاف بالبلد إلى «التحسر» سرا وعلانية عن «نظام بن علي»، جراء استمرار الأزمة الاقتصادية والاجتماعية وتفاقم البطالة.

البحث عن الذهاب بعيدا
حين يتحدثّ احد رموز النظام السابق على الأحداث الراهنة في البلاد اليوم، فانه يعدّد «الانجازات» التي خلّفها يوم «أزاحته الثورة» والتي «أهدرها «من حلّ محلهم من وزراء الترويكا، هذه المقارنة التي تكرّرت كثيرا هذه الأيام، ليست لاستعراض «أمجاد لا مكان لها الا في أذهان أصحابها» بل هي تمهيد لخوض معارك جديدة، ساحتها ستكون صناديق الاقتراع، بصورة «رجال الدولة» الذين فضّلوا التضحية بكل شيء من اجل «المصلحة العليا» والذين عارضوا»بن علي» بشراسة ، هذه الصورة التي يأمل الحرس القديم، ان توجد في ذاكرة التونسيين يوم الاقتراع، كي يختاروهم بعد ان سبق «وجرّبوا» غيرهم «فاكتووا».

هذه المقاربة يعول «التجمعيون» من خارج نداء تونس، على أن تؤتي أكلها مع الوقت، فهم يراقبون نتائج سبر الآراء والتوجهات العامة، ويعلمون أن وزنهم الانتخابي اليوم لن يخول لهم الفوز بأكثر من بضع مقاعد في الانتخابات التشريعية، نظرا إلى ان أفضل نتيجة سجّلت لهم كانت 4 ٪ من نوايا التصويت لصالح حزب المبادرة في جانفي 2014 قبل ان تتدنى الى 0.8 ٪ بعد شهر، لذلك هم يعوّلون على الوقت، لتتضح المعالم أكثر بالنسبة لهم، سواء في ما يتعلق بعلاقتهم بحركة النهضة او بحركة نداء تونس التي يخوضون معها معركة من يمثل «الدستوريين».

وفي مراقبتهم للوقت لا يستفزّ رموز النظام القديم اي شيء، لا تجاهل قادة نداء تونس ولا الأوصاف التي تكال لهم من الجميع، فلهم من الأعصاب الباردة ما مكنهم من الجزم بأن «الثورة» التي أطاحت بهم قد خفت بريقها وتغيّرت شعاراتها مع الأيام، لذلك اتخذوا قرار التجمع في جبهة سياسية وانتخابية واسعة، سيكون ظهرها محميا من الجميع لتقاطع المصالح معها، الكل يرفع اوّلا واخيرا شعار «عفا الله عمّا سبق» ويتّبع خطوات للتطبيع معهم كلّ حسب قدرته.
المصدر: جريدة المغرب
Print Friendly and PDF

Alyoum News

    التعليق بإستخدام حساب جوجل
    تعليقات الفيسبوك