PUB

أكثر من 65 في المائة من تلاميذ المعاهد الثانوية لا يطالعون الكتب في تونس



"أمة تقرأ أمة ترتقي..." هذا ما تطرقنا إليه طوال سنوات دراستنا وهذا ما تعلمناه وما قرأناه في معارض الكتب والمكتبات وغيرها من الفضاءات...


ولعل ما نجده اليوم من تخلف الأمة واقتصار دورها على الاستهلاك والإستلهام وبث للفوضى في كل مكان ونشر للفتن بين هذا وذاك وتراجع علومها وتحول ذهنها إلى مجموعة من الأكياس الفارغة التي تملأ الجمجمة بأفكار دنيئة، رديئة لا مكان لها سوى مصب الفضلات... أذهان كان العالم في السابق منبهرا بها وبعلومها التي أسسها أبناء أمتنا أمثال ابن خلدون وابن رشد والرازي، إلا أننا اليوم أصبحنا عاهة على العالم لا نسبب سوى المشاكل والأزمات فيه... أمتنا التي قال فيها الله تعالى: "كنتم خير أمة أخرجت للناس" - الآية 109 من سورة آل عمران - ... أمة تركت الكتاب وهجرته ليصبح اليوم أداة لتزيين غرف البيت ومكاتب الادرات والشركات وقصور الحكام والوزارات... حيث أنك تجد كل كتاب في تلك الأماكن يستغيث من المصيبة التي تعرض لها ... فقد قام صاحبه بطعنه وبوضعه في صحراء كبرى خالية من كل دابة حيث لا نجاة له ولا أمل له وذلك بعد أن حوّل العرب اليوم وظيفة الكتاب والكتب من وظيفة تثقيفية إلى وظيفية تزيين وديكور... الكتاب عندما يصبح قديما من خلال غلافه يصبح غير صالح لذلك المكان وبالتالي يلقى به في القمامة كالبضاعة التي عندما ينتهي أجلها يتم التخلص منها ليتم فيما بعد رسكلتها، إلا أن الكتاب لايمكن رسكلته..

أمة الـصفر فاصل قارئ...
بمناسبة معرض تونس الدولي للكتاب الذي انتظم مؤخرا (مارس / أفريل 2015)، أكدت العديد من الاحصائيات  أن المواطن التونسي يمكن له أن يقضي سنة واحدة دون أن يطالع ولو كتابا واحدا.... وقد أكدت العديد من الاحصائيات الدولية إلى أن العالم العربي بأكمله وليس تونس فقط من يعاني من هذا المشكل... ويبرز هذا التراجع الكبير في المطالعة من خلال عدد الكتب لكل مجموعة من المواطنين إذ أكدت العديد من الدراسات إلى أن كل 12 ألف مواطن يقرأ كتابا واحدا مقابل كتاب واحد لكل 500 مواطن أنقليزي و900 مواطن ألماني. إضافة إلى ذلك فإن نسبة المثاقفة عن طريق الكتاب في العالم العربي لم تتجاوز 4 في المائة من معدل القراءة في انقلترا فقط، ناهيك (فضلا) عن عدد المدونات التي لم تتجاوز 0.7 في المائة من إجمالي المدونات في العالم والمنتشرة على الشبكة العنكبوتية...

كما أشارت العديد من الدراسات إلى أن عدد الكتب المترجمة في العالم العربي منذ العهد الأموي بلغت 10 آلاف كتاب وهو جملة ما تترجمه أسبانيا في سنة واحدة.

أما في معهد ابن خلدون برادس، وفقا لإحصائيات قمنا بها، أكدت المصادر الخاصة من مكتبة المعهد الذي يضم حوالى 730 تلميذا أن عدد التلاميذ الذين يتوجهون إلى مكتبة المعهد بلغ بين 80 و150 تلميذ وهو ما يؤكد أن المنظومة الاجتماعية في حاجة للمراجعة بل وأن المجتمع التونسي والشباب التونسي خاصة في حالة ضياع كلية بسبب هيمنة المظاهر على الفكر العقلي أو الحركة العقلية وهيمنة الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الاتصال الحديثة على الحياة اليومية للشباب والتلاميذ  داخل المعاهد. فالتلميذ اليوم حتى وان كان مطالبا بقراءة كتاب ليتمم به دروسه أصبح عازفا عن ذلك...

وقد أكدت المشرفة على المكتبة في حوار خاص لنا إلى أن الثقافة الحديثة جردت الكتاب من كل معانيه ومحتوياته المعرفية إذ أن أغلب الشباب أصبح ينفذ إلى المعلومة بصفة مباشرة عن طريق الانترنت التي تختزل وتقتبس المعلومات بشكل سريع وفي ثوان. وبما أن الانسان كسول بطبعه فهو وبصفة آلية سيعمل على الاعتماد على الانترنت بدلا من التوكل على الكتاب والتجوال فيه والبحث في معانيه وما بين سطوره. وقد أكدت نفس المصادر إلى أن مكتبة معهد إبن خلدون برادس كانت تستقطب عدد هام من التلاميذ في اليوم الأمر الذي يؤدي إلى اكتضاض المكتبة، إلا أنه وبسبب الاضطرابات الأخيرة التي شهدتها السنة الدراسية الحالية 2014/2015 شهد عدد التلاميذ تراجعا حادّا حيث أن المكتبة تستقطب في اليوم الواحد ما بين 4 و 10 تلاميذ. وكما أكدت المشرفة على أن الكتب الموجودة في هذه المكتبة متنوعة من حيث اللغات والمحتويات التي تتماشى مع البرامج الرسمية وحسب متطلبات الأستاذ والتلميذ على حد السواء رغم اتلاف العديد منها في فترة سابقة نتيجة عدم توفر فضاء مناسب لها.

وشددت السيدة ليلى في حوارها لنا إلى أن ظاهرة العولمة هي السبب الرئيسي لعزوف الشباب على المطالعة واستهتار الكثير منهم وبحثهم المستمر عن أي طريقة لكسب المال خاصة وأن أغلبية المجتمع التونسي يتسم بعدم ابتكاره وخلقه وتفكيره وذلك لعدم قراءته للكتب ولعدم الاطلاع على مختلف الفنون باستثناء فئة النوابغ التي يتم استقطابها في البلدان الغربية والدول الكبرى والمتقدمة لاتمام دراستهم وبحوثهم. كما أفادت هذه الأخيرة في نفس السياق على أن فئة القراء في تونس أصبحت من الأقلية النادرة المهددة بالانقراض وأن الأغلبية من الشباب التونسيين ليس لديهم ما يستهويهم للمطالعة، إذ يختار المستهلك ثقافة أخرى حديثة تتمثل في قضاءه أغلب الأوقات كي لا نقول يوما كاملا أمام الحاسوب والهواتف الذكية للاطلاع على الأخبار من هنا وهناك دون أن يحاول مطالعة كتاب والبحث في معانيه.

كما أكد السيد إلياس القيم العام في معهد إبن خلدون برادس في حوار جمعنا معه حول هذا الموضوع إلى أن الكتب ومحتوياتها أصبحت اليوم لا تتماشى مع متطلبات العصر خاصة منها عصر الشباب والثقافة الالكترونية. كما أكد في حواره على أنه لا ينبغي أن تكون المعارض موسيمية (أي يجب أن لا تكون كل سنة مثل معرض الكتاب)، بل يجب أن تكون المعارض الخاصة بالكتاب متواترة في أكثر من منطقة وذلك لتمكن الشباب من زيارتها وإلقاء نظرة عليها. كما دعا السيد إلياس في حواره إلى ضرورة تثمين نجاحات وتجارب المطالعة وضرورة تشجيع الشباب على الاقبال على مثل هذه المجالات (مجال المطالعة / الفنون ...) من خلال تقديم الحوافز واقامة الندوات والمسابقات مؤكدا على أنه تم تغييب الكتاب على حساب العلوم المتنوعة التي تستند بدورها إلى المؤلفات والكتب. وغير بعيد عن ذلك فإن الصحف المروجة اليوم أصحبت مجرد حبر على ورق حيث أنه  لا معنى للكلمات التي تنقلها . فدور الصحف اليوم أصبح مقتصرا على نقل الأخبار والحروب ونشر الفتن وليس على تثقيف المطالعين لها. وأكد السيد الياس في ذات السياق على أن المنهجية التعليمية اليوم أصبحت تنفر الشباب من الكتب والمطالعة. فعملية الترغيب تنطلق من الوسط العائلي لتستمر في الوسط المدرسي من خلال توعية المعلمين والاساتذة والاطر التربوية للتلاميذ بضرورة المطالعة وما تفتحه من آفاق في عملية التفكير والنقاش والبحث والتباحث، وما يكسبه القارئ من معارف متنوعة ومختلفة تمكنه من فهم شؤون الحياة والكون وحتى حياته الشخصية.

وفي حوار لنا مقتضب مع أحد الأساتذة داخل المعهد المذكور أكد لنا أن الاحصائيات التي تحصلنا عليها ليست بالغريبة، حيث أن أغلب التلاميذ يعتبرون الكتاب مصدر للهم والغم ومصدرا للكآبة والحزن بل ويعتبره البعض سجنا لهم. 

ولا يمكن القول اليوم بأن عالمنا العربي خال من الشباب المهوسون بالمطالعة، لكن نسبة هؤلاء قليلة جدا بل ويمكن القول نادرة وهو ما يدفعنا إلى طرح العديد من الأسئلة حول ندرتها وأسباب تهميشها...

ورغم الدور الكبير الذي يلعبه الكتاب ككل في حياة كل فرد في هذا الكون إلا أننا وبسبب تغييبنا لهذا "الكائن" أصبحنا اليوم مجرد أجسادا تبحث عن الأكل والشرب والنوم فقط، بينما نجد العالم الآخر (الدول المتقدمة والكبرى)، "عالم الكتب والمطالعة،" كما يمكن أن نسميها، تزداد يوما بعد يوم تطورا وبحثا وتقدما، إذ لا يمكن القول بأنهم لا يأكلون ولا يشربون ولا ينامون ...

بل هم بشر مثلنا... إلا أن عقولهم تتميز بتعطشها للعلم والمعرفة أكثر منا... فالسيد "مارك" صاحب أكبر موقع تواصل إجتماعي في العالم لم يكمل دراسته، لكنه بفضل شغفه بالعلم والمعرفة والمطالعة تمكن من تحقيق حلمه من خلال موقع يستخدمه الملايين حول العالم ... كذلك بيل قايتس صاحب شركة مايكروسوف وأغنى رجل في العالم الذي دعى في أكثر من مناسبة إلى ضرورة المطالعة والقراءة والبحث والانتاج... فهل سيستمر حال الأمة على هذا الحال؟

بقلم : محمد جابر
Print Friendly and PDF

Med Ali Jabeur

    التعليق بإستخدام حساب جوجل
    تعليقات الفيسبوك

0 commentaires :

إرسال تعليق