حكومتان.. واغتيالان سياسيان.. ومارطون من المفاوضات تحت راية الحوار الوطني.. وتحركات سياسية هنا وهناك وتجاذبات وتبادل للتهم بلا نهاية بين الفرقاء السياسيين .. تلك ابرز ملامح حصيلة 2013 على الصعيد السياسي.
دخلت حكومة الترويكا مطلع 2013 عامها الثاني وسط تزايد ملحوظ في حدة الاحتجاجات الشعبية وفي انتقادات المعارضة لها .. فلا شيء – في رأي شق واسع من التونسيين- تغير طيلة سنة كاملة ( 2012 ) قضتها الترويكا في الحكم حيث تفاقم تردي الوضع الاجتماعي وزادت البطالة والفقر والتهبت تكاليف المعيشة وبدأ الوضع الاقتصادي ينذر بالخطر.
ومنذ جانفي 2013 زادت الضغوطات على حكومة حمادي الجبالي عساها تُطور من وسائل عملها وتُحسن من مستوى معيشة المواطن لكن كانت كل البوادر آنذاك سلبية ولا تبشر باي تطور. وتواصل الامر على ذلك النحو إلى حين صباح 6 فيفري حيث حصل المحظور الذي لم يتوقعه اي كان ودوى الرصاص غير بعيد عن العاصمة ليخترق جسد المعارض البارز شكري بلعيد .. تحركت المعارضة وتحرك الشارع واضطر حمادي الجبالي للاستقالة بعد اسابيع ليحل محله علي العريض بحكومة مختلطة بين القديم والجديد من الوزراء وتتالت تطمينات العريض.. لكن لم يكد يمضي شهران حتى دوت النيران القاتلة مجددا لكن هذه المرة على شكل الغام في جبل الشعانبي لتقصف ارواح الجنود والامنيين اكثر من مرة.. تزايدت حالة الاحتقان الشعبي تجاه ما حصل واعلنت الداخلية والعسكر الاستنفار فتوقف دوي الانفجارات في الشعانبي.. لكن لم يكد يمض شهر واحد حتى جاء صوت رصاص الاغتيال السياسي قادما من اريانة ليعلن «الإطاحة» بمعارض ثان وهو الشهيد محمد البراهمي..
لملم التونسيون آثار الصدمة الثانية لكن حدة الاحتجاجات الشعبية بقيادة المعارضة ارتفعت هذه المرة وتواصلت على امتداد اسابيع عبر اعتصام الرحيل بباردو وعبر تحركات احتجاجية هنا وهناك طالبت باستقالة الحكومة بعد أن وُجهت لها كل أصابع الاتهام في ما حصل من اغتيالات وأحداث ارهابية.. لكن لم يُجد كل ذلك نفعا وأصر علي العريض ومن ورائه الترويكا الحاكمة على التشبث بالحكم ونفوا كل علاقة لهم بما حصل .. فكان على كبرى المنظمات الوطنية ان تتحرك هذه المرة بحثا عن سبيل للتحاور بين الحكومة المتهمة من جهة والمعارضة الغاضبة من جهة اخرى مع الاخذ بعين الاعتبار حالة الاحتقان الاجتماعي الذي تسبب فيه تدهور المستوى المعيشي..
تكون رباعي المنظمات الوطنية الكبرى في البلاد (اتحاد الشغل واتحاد الاعراف ورابطة حقوق الانسان وعمادة المحامين) واطلق مبادرة «الحوار الوطني» وأعدّ خارطة طريق تضمن استقالة حكومة العريض دون المس بالمجلس التأسيسي وبرئاسة الجمهورية، وكل ذلك لانهاء حالة الاحتقان السياسي التي اشتدت بين 25 جويلية (تاريخ اغتيال البراهمي) و23 أكتوبر( الذكرى الثانية لانتخابات 23 اكتوبر 2011 ) وهو التاريخ الذي يؤكد – في راي المعارضة – نهاية شرعية الحكومة والترويكا . وبعد مخاض عسير تعهد علي العريض بالاستقالة وانطلق الحوار ثم تعثر مرارا قبل ان يستقر نسبيا في النهاية عندما وقع التوافق على رئيس الحكومة الجديد..
وفي يلي تلخيص لابرز المحطات السياسية التي شهدها عام 2013.
جانفي: تحوير وزاري وهمي
استقبلت الطبقة السياسية والرأي العام سنة 2013 بتنامي الحديث عن تحوير وزاري اعتبروه ضروريا بعد ان تزايدت حدة الانتقادات لأداء عدد من الوزراء في حكومة الجبالي. لكن اتضح تدريجيا أن هذا التحوير لم يكن سوى مسكنا من الحكومة للمعارضة ولم يطرأ اي تغيير على تركيبتها.
فيفري: اغتيال سياسي اول واستقالة حكومة الجبالي
استفاق التونسيون يوم 6 فيفري على خبر حادثة اغتيال سياسي لم تشهدها البلاد من قبل ذهب ضحيتها الشهيد شكري بلعيد .. ومنذ ذلك التاريخ انقلب المشهد السياسي في تونس رأسا على عقب.. تحركت المعارضة وتحرك الشارع للتنديد بما حصل وزادت حدة الانتقادات للحكومة قبل ان يخرج رئيسها حمادي الجبالي ليعترف بالفشل وليعلن استعداده لتكوين حكومة تكنوقراط. لكن هذه المبادرة قوبلت بالرفض من حزبه النهضة فاستقال من منصبه يوم 19 فيفري وتم تكليف علي العريض بتشكيل حكومة جديدة يتم فيها تحييد وزارات السيادة.
مارس: حكومة جديدة .. وآمال جديدة
شهد شهر مارس تشكيل حكومة علي العريض الجديدة ومباشرتها لمهامها وسط شبه ارتياح لدى الطبقة السياسية والراي العام وتفاؤل بتوقف العنف والاغتيال السياسيين وتحسين الاقتصاد ومستوى المعيشة والضغط على الاسعار وتحقيق الاستقرار الامني واستقرار المناخ السياسي والتعجيل بانهاء الدستور والتحضير للانتخابات القادمة . وجاء كل ذلك بعد تحييد وزارات السيادة وتغيير وزيري الصناعة والتنمية والسياحة والمالية واطلاق الوزراء الجدد وكذلك رئيس الحكومة جملة من الوعود مع التعهد بانهاء الفترة الانتقالية موفى السنة.
أفريل: حالة عادية.. لولا الغام الشعانبي
مرّ شهر افريل وسط اجواء سياسية عادية اذ لم يشهد اية احداث استثنائية عدا حادثة وفاة المحامي فوزي بن مراد عضو لجنة الدفاع في قضية الشهيد شكري بلعيد بسكتة قلبية واعتبرها البعض آنذاك اغتيالا سياسيا من نوع ثان لكن لم يتضح ذلك الى حد الآن. ثم انتهى شهر افريل بحادثة اولى من نوعها في بلادنا نُسبت للارهابيين وهي انفجار الغام بجبل الشعانبي لتنطلق منذ ذلك التاريخ «معركة» حكومة العريض ضد الارهاب في تونس.
ماي: تواصل التفجيرات الارهابية .. وبداية التحرك ضد حكومة العريض
منذ احتفالات غرة ماي بدات المعارضة ترفع من حدة لهجتها تجاه حكومة العريض لمطالبتها بتكثيف مجهود مكافحة الارهاب والتصدي لغلاء المعيشة والحرص على اصدار دستور بعيد عن التجاذبات السياسية والدينية. وتواصل الامر على ذلك النحو.
جوان: دستور جديد.. ومصر في البال
اصدار النسخة النهائية من مسودة الدستور وسط انتقادات المعارضة حول بعض بنوده.
بداية الحديث عن مسيرة ضخمة في مصر للإطاحة بحكم الاسلاميين (محمد مرسي) وظهور حالة تململ لدى الترويكا الحاكمة في تونس من حصول مسيرة مماثلة في تونس.
جويلية وأوت: اغتيال ثان .. وبداية الضغوطات القوية
شهد المشهد السياسي الداخلي شبه استقرار لكن بالتوازي مع ذلك كان الجديد ياتي في كل مرة من مصر الى ان جاء خبر تنحية الرئيس مرسي. عندئذ بدأ الحديث في تونس عن امكانية حدوث سيناريو مشابه.. وتواصل الامر على ذلك النحو الى حين حدوث اغتيال سياسي ثان استهدف النائب بالمجلس التاسيسي محمد البراهمي يوم الاحتفال بعيد الجمهورية ( 25 جويلية). عندئذ تزايدت شدة الاحتجاجات من المعارضة وانطلق اعتصام الرحيل امام المجلس التاسيسي بباردو وتشكلت جبهة الانقاذ على غرار ما حصل في مصرو تبعت ذلك مسيرات متعددة طوال شهر اوت تطالب باسقاط الحكومة وحل المجلس التاسيسي.
سبتمبر وأكتوبر: مبادرة الرباعي وتعهد العريض بالاستقالة
تعددت المبادرات من عديد الاطراف السياسية لحل الازمة التي قامت في البلاد..ثم اطلق رباعي الحوار مبادرة تمسكت بها كل الاطراف وكثر الجدل حول موعد انطلاق هذا الحوار على اساس انه الوحيد القادر على حل الازمة. وبعد مخاض عسير وتجاذبات امضت اغلب الاحزاب على ورقة المبادرة ( خارطة الطريق ) يوم 4 اكتوبر ثم انطلق الحوار يوم 25 أكتوبر بعد ان تعهدت حكومة علي العريض بالاستقالة كتابيا .
نوفمبر: اختلافات حول رئيس الحكومة وتعليق الحوار
خصصت الجلسات الاولى للحوار الوطني للتشاور حول رئيس الحكومة المنتظرة ومر الحوار بفترات من التجاذبات والخصومات السياسية بسبب الاختلاف حول الاسماء المرشحة لهذا المنصب (أحمد المستيري ومحمد الناصر). ثم وقع تعليق الحوار منذ يوم 4 نوفمبر . وفي الاثناء تواصلت المشاورات والتقلبات وكثرت الحديث هنا وهناك عن صفقات بين الاحزاب ابرزها بين النهضة ونداء تونس وعن استقواء بالاجنبي خصوصا بعد لقاء الغنوشي وقائد السبسي في باريس ثم لقائهما مع الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة.
ديسمبر: عودة الحوار .. واتفاق حول مهدي جمعة
عاد الحوار الوطني لكن لم يقع التوافق مرة اخرى حول اسم رئيس الحكومة فامهل الرباعي مختلف الاحزاب الى موعد 14 ديسمبر منذرا الجميع بتبعات خطيرة في صورة عدم التوافق وهو ما قد يكون عجل بالاتفاق فيما بعد . وفي ذلك اليوم عاد الحوار ليقع الاعلان ليلا عن اختيار مهدي جمعة لرئاسة الحكومة السادسة بعد الثورة (بعد حكومتي الغنوشي الاولى والثانية وحكومة قائد السبسي ثم حكومة الجبالي فحكومة العريض). وبذلك انتهى الحصاد السياسي لسنة 2013 في انتظار تشكيل مهدي جمعة لحكومته وانهاء مسارات الحوار الوطني قبل 14 جانفي 2014 مثلما اعلن عن ذلك اطراف الحوار.
تواريخ فارقة
ـ 6 فيفري: اغتيال الفقيد شكري بلعيد
ـ 19 فيفري: استقالة حمادي الجبالي
ـ 25 جويلية: اغتيال الفقيد الحاج محمد براهمي
ـ 11 أوت: لقاء الغنوشي والسبسي في باريس
ـ 4 اكتوبر:الامضاء على وثيقة خارطة الطريق التي اقترحتها الرباعيّة.
ـ 25 اكتوبر: انطلاق الحوار الوطني.
ـ 14 ديسمبر: التوافق حول مهدي جمعة رئيساً للحكومة الجديدة
فاضل الطياشي
المصدر : الشروق

التعليق بإستخدام حساب جوجل
تعليقات الفيسبوك