تعتبر الرابطة التونسية لحقوق الإنسان، برئاسة عبد الستار بن موسى أحد أبرز الأطراف التي رعت الحوار الوطني الذي أفضى إلى توافق على دستور جديد، وحكومة غير حزبية، وفي الحوار التالي، يقيّم بن موسى المسار الانتقالي في تونس مركزا على بعض الهنات والاخلالات.
محمد بن رجب من تونس: أكد رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان عبد الستار بن موسى في حوار خص به "إيلاف" أنّ الأزمة عميقة ولكنها مفتعلة بين المحامين والقضاة، وأقرّ بحصول تجاوزات في بعض السجون وحالات تعذيب وسوء معاملة في مراكز الاحتفاظ.
وشدّد بن موسى على حق المواطن في التعبير عن رأيه وإبلاغ صوته دون تدخّل لا يراعي احترام حقوق الإنسان، وبيّن احتراز الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان عن بعض وزراء حكومة مهدي جمعة الذين لم يكونوا محايدين وقد انتمى بعضهم إلى الحكومة السّابقة، وأكد على اجتهاد رئيس الحكومة في تطبيق بنود خارطة الطريق بينما تسعى بعض الأحزاب إلى عرقلتها.
كما أبدى استياءه من تواصل التعذيب والتجاوزات، وعدم وضوح الدستور الجديد فيما يتعلق بالمساواة بين الجنسين والتمييز، وعقوبة الإعدام.
وفي ما يلي نص الحوار كاملا
"المعركة" بين القضاة والمحامين في تونس، هل هي أزمة حقيقية أم مجرد صراع نفوذ ؟
هي أزمة حقيقية وأسبابها عميقة، إذ كان النظام السابق يستعمل القضاء لضرب المحامين إلى جانب غياب الأطر القانونية لجناحي العدالة اللذين عملت السلطة التنفيذية في العهد البائد إلى إبعادهما عن بعضهما ولم يتم تنقيح القوانين بما يمكّن من التعامل بين الجناحين على مستوى التكوين والتربصات المشتركة.
في صالح من هذه "المعركة" ؟
ليست في صالح أي من الطرفين، ولكن الضحية الأكبر هو المتقاضي، وأعتقد أنها أزمة مفتعلة لوجود أطراف لا أحددها تقوم بالعمل على تأزيم الوضع بين جناحي العدالة لغايات، لأنّ المحامين كما القضاة شاركوا في الثورة التونسية على الاستبداد.
كثر الحديث في الفترة الأخيرة عن التعذيب في مراكز الإيقاف وعن الحالة المزرية في السجون التونسية، فأين الرابطة من كل هذا ؟
لقد زرنا عديد السجون ولنا إحصائيات عن التجاوزات التي حصلت خاصة في مراكز الإيقاف وستنشر قريبا في التقرير السنوي للرابطة.
ونحن نقرّ بوجود تجاوزات في بعض السجون وحالات تعذيب وسوء معاملة في مراكز الاحتفاظ، وقد كنا طلبنا إبرام اتفاقية لزيارة السجون ولكنها لم تتمّ بسبب بعض الشروط التي تضعها وزارة العدل بينما نريدها اتفاقية وفق المعايير الدولية.
وقد قمنا بزيارات ولكنها ليست فجئية، ورغم ذلك لاحظنا مظاهر للتعذيب كما وردت علينا عديد الشكاوى من أهالي بعض المساجين وكذلك في مراكز الإيقاف وردت علينا عديد الشكاوى بشأن التعذيب والعنف أثناء فترة الاحتفاظ وتم تأكيد ذلك من خلال التقارير الطبية.
ماذا عن تجاوزات بعض رجال الأمن في بعض التحركات السلمية ؟
الواقع أنه ليس هناك إرادة سياسية مثلما كان عليه الحال في العهد السابق لقمع التظاهرات، ولكن نقرّ بحصول تجاوزات مع رفضنا لقطع الطرقات وغلق المؤسسات، ولكن تبقى التظاهرات أو الاحتجاجات السلمية من حق المواطن ليعبّر عن رأيه ويبلّغ صوته، وبالتالي لا بد من التعامل الحذر المبني على احترام حقوق الإنسان مع هذه التحركات السلمية وكلما يحصل اعتداء إلاّ وننشر بيانا ونتصل بوزارة الداخلية للتعبير عن ذلك.
ماذا عن مجموعة العفو التشريعي العام الذين يعتصمون أمام المفوضية السامية لحقوق الإنسان ؟
اتصلنا بهم وراسلنا كلا من وزارة الداخلية ورئاسة الحكومة لحلّ المشكل وتفعيل العفو التشريعي العام الذي تم إقراره منذ ثلاث سنوات، فمن غير المعقول أن تعدهم الحكومة بتوفير الشغل وتبرم معهم عقودا ثم بعد ذلك تخلّ بالتزاماتها.
كانت لكم احترازات حول بعض أعضاء حكومة مهدي جمعة ؟
وهو كذلك، وقد عملنا على نشر بيان في ذلك يوضح هذه الإحترازات التي تخصّ بعد الوزراء الذين لم يكونوا محايدين، وقد انتمى البعض إلى الحكومة السّابقة التي فشلت خاصّة في كشف حقيقة اغتيال الشّهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، أو بعدم الالتزام بتحييد المساجد والمؤسسات التربويّة من التوظيف الحزبي والسياسي أو بمعاداة مجلّة الأحوال الشخصية والمنظومة الكونيّة لحقوق الإنسان.
ولم نطالب بإبعادهم خاصة بعد أن وعد رئيس الحكومة بإجراء تحوير وزاري إذا ثبتت الإحترازات التي تمّ التعبير عنها.
كيف تقيّم أداء رئيس الحكومة بعد أكثر من شهر من بداية مهامه ؟
هناك اجتهادات وإجراءات بخصوص التراجع عن التعيينات التي قامت بها الحكومة السابقة، أما بخصوص مقاومة العنف وحلّ رابطات حماية الثورة، فهناك إجراءات ملموسة وكذلك، عن تحييد المساجد، ولكن ليس لدينا كل المعطيات لتقييم موضوعي. هناك اجتهادا سنرى مدى تطابقه مع خارطة الطريق ولكن المؤشرات قد تطمئن.
هل أنتم جادّون في تحقيق خارطة الطريق التي رسمها الرباعي الراعي للحوار خلال الفترة الحالية ؟
الأطراف الأربعة المشرفة على الحوار الوطني جادّة في تطبيق خارطة الطريق وتنفيذ مهامه لأنها الكفيلة بالوصول إلى انتخابات حرة و نزيهة وشفافة، والحكومة ملتزمة بها حتى لا يحصل عنف في الانتخابات يفسد ما نصبو إلى تحقيقه.
هل التزم رئيس الحكومة بما جاء في خارطة الطريق ؟
لقد تعهّد رئيس الحكومة بما جاء في خارطة الطريق وبدأ فعلا في تطبيق بنودها وعملية التقييم ستتم خلال الحوار الوطني، من ذلك مثلا بعض أسماء الولاّة (المحافظين) غير المحايدين وسنعلم الحكومة بذلك.
هل هناك أحزابا تسعى إلى عرقلة عملية تنفيذ خارطة الطريق ؟
الأحزاب المشاركة في الحوار الوطني تسعى إلى تنفيذ بنود خارطة الطريق التي حصل حولها توافق ولكن خراج الحوار الوطني، هناك عديد الأحزاب التي تعمل على العرقلة.
كيف يبدو لك المسار الانتقالي في تونس بعد إنجاز الدستور وتشكيل حكومة مهدي جمعة ؟
الدستور كان حداثيا بالرغم من أنه كان بالإمكان أحسن مما كان، وهو أفضل من المشاريع الأولى التي كانت مقترحة ويتضمن حقوقا كونية.
المسار الانتقالي عموما جيّد، حيث يسعى الجميع إلى بلوغ انتخابات حرة وديمقراطية تعطي صورة أجمل عن تونس ومستقبلها في كل المجالات.
ما هي أهمّ مآخذ الرابطة حول الدستور الجديد ؟
لدينا عديد المآخذ، من ذلك أنّ المساواة بين الجنسين لم تكن واضحة، كما لم يتمّ التطرق للتمييز في جميع جوانبه ولم تكن الحقوق مضمونة حيث نرى في كل مرة أنّ الدولة هي التي "تضمن وتسعى" وكان من الأرجح أن يضمن الدستور ذلك.
وكنا نتمنى دسترة رفض عقوبة الإعدام لأن حق الحياة مقدس كما أنّ في العدالة الانتقالية ما يتنافى وحقوق الإنسان الأساسية.
هناك من يرى أنّ الرابطة تجامل فريقا على آخر من التونسيين فتندّد بما يحصل لهؤلاء ولا تحرك ساكنا إزاء ما يحصل لأولئك. ما رأيك؟
هذا غير صحيح لأننا زرنا السلفيين في عديد السجون، وكلما تصلنا المعلومة إلا ونتحرّك وقد نبت أخيرا في قضية لأحد المتورطين في الإرهاب الذي اتهم بأنه يحمل المؤونة إلى الإرهابيين في جبل الشعانبي، ولكن يمكن أن يكون قد حدث ذلك في فترة سابقة، والرابطة تبقى مفتوحة ومدافعة عن كل المظلومين.
ماذا تتمنى لتونس؟
أتمنى أن تكون تونس بلد سلم ومساواة وعدالة اجتماعية بين الفئات والجهات وتكريس التمييز الإيجابي لأنّ الثورة قام بها الشعب ولكنه يبقى الحلقة الضعيفة في المشهد.أنا مطمئن على مستقبل تونس وبالتالي لن نغادرها على قول الشاعر:
بلادي وإن جارت عليّ عزيزة.. وأهلي وإن ظنّوا عليّ كرام
المصدر: موقع ايلاف الالكتروني

التعليق بإستخدام حساب جوجل
تعليقات الفيسبوك