أن تحتل قيادات عسكرية وأمنية أهم البلاتوهات التلفزية للحديث عن الوضع الأمني في البلاد، فالأمر يعد في حدّ ذاته سابقة في تاريخ تونس، وأن تكشف خلال تلك الإطلالات الإعلامية أسرار الدولة
وتقدّم فيها معلومات دقيقة حول أطوار مواجهات مسلحة بين قوات الأمن الوطني ومجموعات إرهابية، فقد نجد أنفسنا هنا أمام ما يشبه فوضى تصريحات غير مسؤولة في صورة صحتها، وتمس بأمن البلاد في صورة تأكد زيفها، إذ أن المسألة تتعلق بملف جد دقيق، وموقع المتحدّث باسمه من قيادات أمنية أو عسكرية له تأثير كبير لدى المتلقي، فالأمني والعسكري في المنطوق الشعبي التونسي، وفي المنطوق المعلوماتي أيضا، هو ذاك الماسك بسيف الحقيقة، كل الحقيقة.
الوضع الأمني في البلاد بات الشغل الشاغل لكل التونسيين بمختلف مشاربهم الاجتماعية والسياسية، هذه الأهمية القصوى التي بات يحظى بها الملف الأمني جعله يشكّل موضوع الساعة في مختلف وسائل الإعلام، تخصّص له ساعات من التحاليل في إطار ما يعرف في عالم الاتصال «إنارة الرأي العام»، إلا أن هذه الإنارة المحمودة والمطلوبة في ظل ما تعيشه البلاد من اضطرابات أمنية ومن تفشّ لظاهرة الإرهاب، تحوّلت تدريجيا الى «تشويش على الرأي العام»، فما يُقال من كلام خطير في أحيان عديدة حول الأمن والدفاع التونسيين من قبل قيادات كانت تنضوي تحت رايتهما، يكذب بسرعة من قبل المؤسستين الأمنية والعسكرية.
إلا أن التكذيب لم يكف في أي مناسبات من المناسبات التي أطلت فيها علينا قيادات سابقة من الوزارتين السياديتين الأهم في البلاد، فالضجة التي يحدثها تصريح يبدأ منذ بداية الظهور الإعلامي لتلك القيادات، ولا ينتهي بمجرد صدور تكذيب رسمي، هذا إذا لم تتحوّل تلك التصريحات من البلاتوهات التلفزية الى قضايا مرفوعة في المحاكم.
كم من قيادي أمني وعسكري كان لهم ظهور إعلامي لافت (بمعنى الضجّة الاعلامية)؟ أكثر من أربع قيادات على الأقل، أحمد شوبير مدير العام الأمن العسكري والمخابرات ثم القيادي الأمني الميداني «الملثّم»، والعقيد موسى الخلفي المدير السابق للمخابرات العسكرية، من جانب آخر نجد «المصدر الأمني المأذون» الذي صرّح لوكالة الأنباء التونسية أن القوات الأمريكية ألقت القبض على أبو عياض زعيم تيّار أنصار الشريعة المحظور في ليبيا، ونجد أيضا الظهور شبه المنتظم للعميد مختار بن نصر الناطق الرسمي السّابق لوزارة الدفاع الوطني، والظهور الحديث للجنرال رشيد عمار عندما أعلن استقالته عن منصبه في أعلى الهرم القيادي للجيوش الثلاثة التونسية.
لكن هناك اختلافات بين هذا الظهور الإعلامي وذاك، أو تحديدا لوقع هذا الظهور أو ذاك، فالجنرال عمار تمكّن بفضل ظهوره الإعلامي من دخول قياسي في سباق الرئاسيات، أما الجنرال شابير فقد تحوّلت تصريحاته الى اتهامات ضدّه دخل بسببها أبواب المحكمة العسكرية، والأمني الملثّم يواجه تحقيقا إداريا بسبب ما كشفه من معلومات اعتبر زملاؤه في الإدارة العامة لوحدات التدخّل، والحرس الوطني، مسألة كشفها «أمرا غير مقبول بالمرة»، فيما وجد العقيد موسى الخلفي نفسه في موقع حرج بعد تكذيب وزارة الدفاع على لسان ناطقها الرسمي الهوية التي عرف بها نفسه، بخلاف تكذيب كلي لما جاء من معلومات على لسانه.
من الإنارة إلى الإثارة إلى التشويش
بعيدا عن التطرّق الى قانونية الظهور الإعلامي للقيادات الأمنية والعسكرية، أو الزاميات واجب التحفّظ، التي تحتّم منطقيا احترام الخطوط الحمراء التي يضبطها موقعهم أو منصبهم السابق، فالخطاب الذي تقدّمه هذه القيادات ابتعد عن مهمة إنارة الرأي التي تعلّل وتشرّع ظهورهم الإعلامي.
تلك المهمّة تقتضى مصداقية كاملة من قبل المتلقي، حتى تكون الرواية المقدّمة في مستوى الإطار الذي وضعت فيه، وهنا العبارة التي تتردّد في العادة هي «الكشف لأول مرة عن حقائق حول أحداث..»، ما يعني أن الخطاب المقدّم من قبل الشخصية العسكرية أو الأمنية هي في الحقيقة شهادة بأتم معنى الكلمة.
هذا المطلوب، إلا أن الشهادة التي قدّمت سميت فيما بعد «مشوّهة» أو «مزوّرة» أو «غير مسؤولة» أو «تبييض للنظام السابق»، ونبدأ بالجنرال شابير الذي تحدث عن اختراق الجهاز الأمني من قبل جهات أجنبية أثناء الثورة التونسية، وأن الرئيس السابق زين العابدين بن علي لم يأمر بإطلاق النار على المحتجين.
والمعلوم أن شابير أكّد فيما بعد عند دعوته على خلفية تلك التصريحات من قبل محكمة الاستئناف العسكرية، أن ما قاله كان مجرّد استنتاجات، لنتساءل وفق أي منطق يخرج مسؤول عسكري في مستوى الجنرال شابير لأول مرة في وسائل الإعلام ليقدّم استنتاجاته على وقائع تاريخية، وهو الذي يقدّم على أنه من بين «قلّة القلّة من الشخصيات الحكومية والأمنية والعسكرية التي كانت شاهدة على أحداث الثورة وكانت في الآن ذاته مؤثرة في القرارات.
مسؤول عسكري آخر تحدّث مؤخرا، العقيد موسى الخلفي، الرجل عاد إلى الجهاز السري لحزب حركة النهضة، وأكد أنه ما يزال ينشط الى اليوم، كما كشف أن «الأمريكان» أمدوا تونس بطائرات دون طيار لرصد الإرهابيين وبوجود ضبّاط أمريكيين في تونس يتولّون مهمّة الرصد عن طريق تلك الطائرات معيبا على وزارة الدفاع إخفاء هذا الأمر على الشعب التونسي.
إلا أن وزارة الدفاع وناطقها الرسمي لم تخف الصفة الحقيقية للعميد موسى الخلفي التي أوضحت أنه موظف عادي وليس بمدير للمخابرات العسكرية، منصب غير موجود في وزارة الدفاع أصلا، وكل ما قيل حول وجود قوات عسكرية في تونس غير صحيح بالمرة. لتصبح تصريحات المذكور من منطلق رد المؤسسة العسكرية «شهادة مزوّرة».
من الشهادة المزورة التي قد يكون تكذيب كفيل بإخماد لهيب الضجيج الإعلامي الذي تحدثه إلى تصريحات «الأمني الملثم»، ذاك «القائد الأمني الميداني التكتيكي»، الذي كان من بين المجموعة الأمنية التي شاركت في عملية رواد التي خلّفت مقتل سبع إرهابيين منهم كمال القضقاضي المتّهم باغتيال الشهيد شكري بلعيد.
الأمني أخفى قسمات وجهه، لكنه لم يكلّف نفسه في المقابل إخفاء الخطة التي اعتمدتها المؤسسة الأمنية في عملية روّاد، معلومات دقيقة، تفاصيل عن المفاوضات، تحليل إضافي وشافي عن وقائع الليلة المشهودة التي عاشتها جهة روّاد في برنامج يحظى كما يقول مقدّمه بأعلى نسب مشاهدة.
قد تكون المعلومات التي جاءت على لسان «الأمني الملثم» مثيرة جدا من منظور جلب المشاهدين، لكن ماذا لو سمع إرهابي ما جاء على لسان القيادي التكتيكي (رتبة أجمع العديد من الأمنيين أنها غير موجودة أصلا)، هل ستمثّل دروسا ناجعة له عند وقوع مواجهات أخرى؟
ووفق مصادر مطّلعة فإن موجة من الغضب اعترت زملاء الأمني الملثم، باعتبار أن تصريحاته قد تمسّ حتى من سير العمليات القادمة، واعتبروها تصريحات غير مسؤولة من أمني يدرك قيمة وأهمية أن تبقى التكتيكات المعتمدة لمواجهة الإرهاب عصيّة عن الكشف.
تشويش ولا إضافة تذكر
حصيلة الإطلالات الإعلامية «الحدث» للقيادات الأمنية أو العسكرية هي تشويش على الرأي العام، وصناعة حدث جديد ينقسم الرأي العام حوله بين مكذّب ومصدّق، أو بين رافض ومؤيّد.
لم يخرج من هذا المنطلق المتلقي بأي جديد يذكر قد يشفي غليله، ويكشف له نقاط استفهام بقيت دون إجابات واضحة، لتحتل التساؤلات الجديدة مكان التساؤلات السابقة، لكن بأكثر حدّة، ويتحوّل فراغ وشح المعلومات الى وقائع تحتمل الصح والخطأ.
هذا الأمر يعد خيبة أمل حقيقة لذاك الحيز من المصداقية التي من المفروض أن تكون عند القيادات الأمنية والعسكرية من أدنى سلمها القيادي الى أعلاها، ومسّا من هيبة الدولة بدرجة غير معقولة.
وإن كان فرحات الراجحي وزير الداخلية في حكومة محمد الغنوشي سبّاقا في تقديم تصريحات مدوية أجّجت سيلا من الانتقادات حولها، وإن صنّفت تصريحات الراجحي في خانة «الانفلات الذي عاشته في تلك الفترة البلاد» و»بقلّة خبرة المذكور في ضوابط وموجبات العمل الحكومي» فإن السّادة القيادات الأمنية والعسكرية لهم ما يكفي من الخبرة والتمرّس في غياهب الدّولة ليدركوا أن كلّ كلمة لها ألف حساب وحساب، وأنه لا مجال لأن تكون الفوضى صفة في تصريح أو تصرّف لقيادي أمني أو عسكري، الذي يفترض أن يكون مثالا.
المصدر: جريدة المغرب

التعليق بإستخدام حساب جوجل
تعليقات الفيسبوك